ابن ميثم البحراني

37

شرح نهج البلاغة

وقطع النسل ، ويحتمل أن يريد بالدابر الظهر ، وكنّى بالقطع عن الرمي بالدواهي العظيمة الَّتي من شأنها قصم الظهر وقطع القوّة . ثمّ عن الارتداد . ثمّ عن جحود ربوبيّة اللَّه . ثمّ عن الاستيحاش من الإيمان استثقاله والنفرة عنه . ثمّ من اختلاط العقل . ثمّ من التعذيب بعذاب الأمم السالفة بالصواعق والخسف ونحوها . وعقّب ذلك الحمد بالإقرار على نفسه وصفات الخضوع والذلَّة المستلزمة لاستنزال الرحمة وعدّ منها خمسة : وهى كونه عبدا مملوكا للَّه تعالى . ثمّ كونه ظالما لنفسه . ثمّ كونه معترفا بحجّة اللَّه عليه مقطوع الحجّة في نفسه . ثمّ كونه معترفا بعدم استطاعة أن يأخذ إلَّا ما قسّم اللَّه له وسبّب له الوصول إليه ، وأنّه لا يقدر أن يتّقى من المضارّ إلَّا ما وقاه اللَّه إيّاه . ثمّ لمّا أعدّ نفسه بهذه الإقرارات بقبول الرحمة من اللَّه استعاذ به من أموره : وهى أن يفتقر في غناه تعالى : أي أن يفتقر مع أنّه الغنيّ المطلق ، وأن يضلّ في هداه : أي مع أنّ له الهدى الَّذي لا اختلال معه ، وأن يظلم في سلطانه : أي مع أنّ له السلطان الظاهر ، وأن يضطهد وله الأمر القاهر . ثمّ سأله أن يجعل نفسه أوّل كريمة ينتزعها من كرائمه . وأراد بكرائمه قواه النفسانيّة والبدنيّة وأعضاه ، وغرض السؤال تمتّعه بجميعها سليمة من الآفات إلى حين الممات فتكون نفسه أوّل منتزع من كرائمه قبل أن يفقد شيء منها . ونحوه قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الَّلهمّ متّعني بسمعي وبصرى واجعلهما الوارث منى : أي اجعلهما باقيين صحيحين إلى حين وفاتي . واستعار لفظ الوديعة للنفس باعتبار أنّها في معرض الاسترجاع كالوديعة . ثمّ استعاذ به من الذهاب عن قوله تعالى : والافتنان عن دينه . وقد روى الرضى - رضوان اللَّه عليه - يفتتن بالبناء للفاعل على أن يكون الفتنة من النفس الأمّارة . وروى ويفتتن بالبناء للمفعول فيكون المستعار منه الفتنة بالغير . ثمّ من الانخراط في سلك الأهواء وتتابعها به في مرامي الشقاوة دون الهدى الَّذي جاءت به الكتب الإلهيّة من عند اللَّه . وباللَّه التوفيق .